ما هي الموهبة؟
الدكتورة/ ليندا كريغر سيلفرمان – المديرة
إن المواهب محفوفة بالمخاطر. فكل موهبة نتمتع بها يجب الكشف عنها. أما إذا تم حجب أو تشويه تلك الموهبة أو فترت همة من يحملها فإن تلك الموهبة سوف تنقلب علينا، وسوف نعاني من وجودها.
ماذا تعني الموهبة؟ إنها الشيء الذي يجعنا غير مرتاحين، قلقين. وأعود بذاكرتي إلى أيام الدراسة في العام 1976م، كانت هناك محاولة لإيجاد مدرس خصوصي لكل طفل يرغب في تعلم ما لم يتمكن من تعلمه في المدرسة. لم يكن ذلك أمرا مكلفا. فلم يكن على أولياء الأمور أن يفعلوا أكثر من الانضمام لمؤسسة باولدر للموهوبين مقابل 5 دولار في اليوم. وقد استوقفني أحد أولياء الأمور وقال لي بأن ابنته قد درست عدة سنوات فوق المرحلة الأولية وأن لديها درسا في الكيمياء بالمختبر ، ولكنه "متأكد" من أن ابنته ليست موهوبة.
منذ تلك الأيام بدأت محاولاتي لمعرفة ما تعنيه عبارة "موهوب" لكل شخص. وقد كان معظم عملي مع الآباء. وقد لاحظت أن الأمهات يتصلن دوما على مركز تنمية المواهب للاستفسار حول الاختبارات، بينما ينظر الآباء لمسألة التقييم بالكثير من الريبة. وعندما تحدثت إلى مجموعات الآباء لاحظت أن الأمهات يستمعن باهتمام أكبر فيهزون رؤوسهم ويبتسمون بينما يجلس الآباء بلا حراك وبالكثير من علامات الاستفهام على وجوههم. وقد تقدم نحوي أحد الآباء بعد انتهائي من تقديم المحاضرة وتحدث معي عن ابنه الذي نال العديد من الجوائز كطالب بجامعة ستانفورد رغما عن تأكده من أن هذا الابن لا يتمتع بأية موهبة. فسألته "وماذا تريد من ابنك أن يفعل ليبدو موهوبا في نظرك؟" ، فرد على الفور "إنه ليس انشتاين".
وقد اطلعت على أحد البحوث التي يعتبر فيها الباحث أن الأمهات قد وصفن أحد أطفال الأسرة بأنه موهوب انطلاقا من "احتياجهم الذاتي". وقد كانت إحدى نتائج ذلك البحث أنه عندما وصفت المدرسة أحد الأطفال بأنه "موهوب" فإن الأمهات اقتنعن بذلك بينما أنكره الآباء مما أدى صراع بين الأزواج. وقد أدركت أن ذلك الخلاف ناشئ عن الاختلاف في تعريف الموهبة بين الآباء والأمهات. وبالمزيد من الاطلاع توصلت إلى نتيجة مفادها أن الكتاب الذكور في هذا المجال ينظرون إلى الموهبة كما يراها هؤلاء الآباء، بينما الكاتبات الإناث يشاركن هؤلاء الأمهات وجهة نظرهن حول تعريف الموهبة.
إن الرجال يربطون الموهبة بالإنجاز. فأحد الآباء، ولدى قيامنا باختبار ابنه، قال لنا "إن ابني لم يتجاوز الخامسة من عمره، فما هي الأعمال التي قام بها خلال تلك الخمسة سنوات ليسمى موهوبا؟" . أما النساء فإنهن ينظرن إلى الموهبة كنوع من التقدم والتطور. فإذا لاحظت إحدى الأمهات أن ابنتها تعرف أسماء المواد في عمر 11 شهر وأنها تحفظ كتابا في شهرها السابع عشر وتطرح أسئلة معقدة قبل بلوغها الثانية من عمرها، فإن تلك الأم سوف تشعر بالقلق حيال ابنتها، وقد تتساءل "كيف سوف تنسجم ابنتي تلك مع أقرانها؟" "ماذا سيفعل المدرس معها إذا كانت لا زالت تدرس بالروضة؟" "هل أخفي عنها الكتب؟ فأنا لا أريدهم أن يروني أما متهورة"
إن النبوغ المبكر للطفل عن بقية أقرانه يجعله دائما عرضة للآخرين، والأمهات من ناحيتهن يدركن هذا الوضع. وعندما يتنامى الخوف لديهن حول "ماذا سيحدث لابني" فإنهن يبدأن في البحث عن حل لدى الاخصائي لتقديم النصح والإرشاد لهن فيما يخص النبوغ الزائد لدى أطفالهن. (والبعض منهن يسمعن من يهمس لهن "هل تعلمين كم ستبدين غبية إذا ما تبين للاخصائي بأن كل ما تشعرين به تجاه طفلك من بوادر النبوغ هي مجرد أوهام). وبرغم أسطورة أن "كل الآباء يرون أبناءهم موهوبين" فإن تسعة من كل عشرة من هؤلاء الآباء الذين يتصلون على الاخصائيين بخصوص نبوغ أبنائهم محقين في ذلك.
إن نظرية ارتباط الموهبة بالإنجاز ليست جديدة على واقعنا فهي تعود بجذورها إلى الدراسة التي أجراها سير فرنسيس جالتون في العام 1869م حول المشاهير. وفي عالمنا اليوم لا زال المختصون بشؤون التعليم يبحثون عن الأطفال النابغين الذين سيشكلون مشاهير الغد. إن الطفل النابغة هو الذي يحصل على الدرجات العالية والجوائز وشهادات التفوق بمدرسته. وتتمحور كل عناصر التقييم حول الناتج والأداء، أي الإنجازات الفعلية لذلك الطفل. ويكون على هذا الطفل المصنف كنابغة العمل جاهدا للمحافظة على هذا المستوى من الإنتاج والإنجاز. وهكذا أصبحت الموهبة مرتبطة بالطلاب المجتهدين الذين لديهم "إنجازات ظاهرة" يحصلون بموجبها على درجات عالية. من الواضح أن هذا النوع من الموهوبين هم الأكثر فائدة لمجتمعاتنا. ولكن هل هذا كل ما تعنيه الموهبة؟
عندما نساوي الموهبة بالإنجاز في سني الدراسة، أو إمكانية القيام بإنجازات كبيرة فيما بعد المدرسة فإننا نكون بذلك قد وضعنا مقاييس للموهبة غير منصفة للموهوبين الآخرين من الأطفال الملونين والفقراء والإناث. فعبر التاريخ لم ينال الشهرة من موهوبي العالم إلا البيض وأبناء الذوات من الذكور، بينما في حقيقة الأمر فإن الموهبة لا لون لها ولا تعتد بالفوارق الإثنية أو الطبقية أو الجنسية، فهي موجودة لدى الإناث كما هي لدى الذكور، وهي موزعة على كل فئات المجمتع وطبقاته. وبينما تبدو نسبة الطلاب الموهوبين الذين ينحدرون من طبقات اجتماعية عليا أكبر، فإن غالبية الأطفال الموهوبين ينتمون إلى الطبقات الدنيا. فعلى مستوى العالم هناك أطفال موهوبين من الفقراء أكثر من الأغنياء.
وبعيدا عن "الصفوية" فإن البرامج المخصصة للموهوبين بالمدارس الحكومية بالكاد تقدم للأطفال الموهوبين من الفقراء ما يكفي لتنمية مواهبهم، وهناك من يدعوا حتى لإلغاء الفصول المخصصة لرعاية الموهوبين مما يشكل عقابا للموهوبين من الفقراء فقط حيث أن الأغنياء سوف يلجأون إلى التعليم الخاص للتعويض عن ذلك. والعديد من أسر الطبقة الوسطى يقدمون دروسا خصوصية منزلية لأبنائهم.
إذن، ما هي الموهبة؟ إن وجهة نظر الأمهات تبدو أقرب إلى التعريف الصحيح لما تعنيه الموهبة. إنها النبوغ والإدراك المبكر الذي يلحظونه على أبنائهم في طفولتهم. ولكن الطفل لا ينبغ بشكل متوازي في كل المجالات. فكما أن الطفلة النابغة تطرح أسئلة من نوع "ماذا يحدث لنا بعد الموت؟" و "كيف نعرف أننا لسنا جزءا من حلم شخص آخر؟" فإن نفس هذه الطفلة الموهوبة قد لا تعرف كيف تربط حذاءها . وهناك مثال الطفل الموهوب ذو الأحد عشر ربيعا الذي يخرج من الطائرة حاملا بإحدى يديه كتاب الرياضيات وباليد الأخرى سلسلة قصص الأطفال "كيوريوس جورج". إنه كلما زاد معدل الذكاء لدى الطفل ازدادت معاناته في إيجاد رفقاء يلهو معهم، وكلما ضاق بمناهج التعليم المدرسي المحدودة. وكلما اتسعت الهوة بين نقاط القوة ونقاط الضعف لدى الطفل كلما أصبح معاناته أكبر في الانسجام مع واقعه.
كتبت ريتا ديكينسون (1970)، مؤسسة تعليم الموهوبين في كلورادو، بأن نسبة كبيرة من الأطفال الموهوبين الذين قامت باختبارهم في مدارس دنيفر العامة قد تمت إحالتهم لها لمشاكل سلوكية يعانون منها. وقد اكتشفت أن ما يقارب نصف هؤلاء الطلاب من الموهوبين الذين لا يعرف آبائهم شيئا عن مواهبهم، ولا يعترفون بوجود مثل هذه المواهب في أبنائهم، وكذلك فعلت المدرسة. وغالبية الأطفال الموهوبين ممن لا يهتم أحد لمواهبهم هم من أبناء الطبقات الاجتماعية الدنيا ذات الثقافات المتباينة.
وقد اتضح أن الموهوبين من الذكور هم من يخضعون لاختبارات الموهبة أكثر من الإناث. ففي مركز تنمية المواهب أظهرت الإحصائيات أن 60% من الـ 5200 طفل الذين تم اختبارهم خلال الثمانية وعشرين عاما الماضية هم من الذكور و 40% فقط من الإناث. فالأولاد الذكور وبحكم قدر الحرية المتاحة لهم في التعبير عن مواهبهم يكونون أقدر على إظهار مواهبهم لآبائهم من الإناث. وعليه فمن المهم اكتشاف مواهب الإناث مبكرا قبل أن يبدأن مرحلة الانزواء.
كلمة للأمهات، سوف أدفع دولارا لكل أم تأتي إلى مكتبي وتقول "لقد حصل على ذلك من أبيه". إن مجتمعنا لديه ذلك التوجه الإنجازي في نظرته للموهبة مما يجعل نسائنا غير قادرات على الإعلان عن مواهبهن حيث ترى الواحدة منهم أنها مجرد ربة منزل "أنا مجرد أم، ولم أفعل في حياتي ما ينم عن موهبة". وسوف يكون كتابي القادم حول المواهب النسائية الغير معترف بها وسيكون عنوان الكتاب "أنا لست موهوبة، أنا فقط مشغولة".
إن الموهوبين من الأطفال والكبار يرون العالم بشكل مختلف بسبب تعقيد عمليات التفكير لديهم وبسبب شحناتهم العاطفية الزائدة. والناس دائما يقولون لهم: "لماذ تعقدون كل شيء" "لماذا تأخذون كل شيء على محمل الجد؟" "لماذا تبدو كل الأشياء مهمة بالنسبة لكم؟". إن الموهوبين "مفرطون في كل شيء: حساسيتهم بالغة، مشاعرهم ملتهبة، أكثر اندفاعا، أمينين، واقعيين، خلوقين أكثر من غيرهم، يبحثون عن الكمال في كل شيء. كل الناس يرونهم مختلفين. وحتى إذا ما حاولوا الانسجام مع من حولهم فإنهم دائما يشعرون بأنهم غير منسجمين مع ذلك الواقع. إن الضرر الذي نسببه للأطفال الموهوبين بإهمالنا لهم يعتبر أكبر من الضرر الذي يمكن أن ينجم عن الاعتراف بتميزهم. فبدون هذا التميز الذي نصفهم به فإنهم سوف يصفون تميزهم على النحو الذي يناسبهم "لا بد من أنني مجنون، فلا أحد يحس بهذا الظلم غيري".
لقد حان الوقت لإخراج الموهبة من القمقم المحبوسة فيه وإطلاقها إلى آفاق تتجاوز الفهم الضيق الذي يربطها بالإنجاز. لقد آن الأوان للاعتراف بالمواهب وتقييمهم ورعايتهم داخل أسرهم ومدارسهم.