كيف "يغتال" البالغون بوادر الموهبة والإبداع لدى الأطفال
إن محاولات الكبار دفع الصغار لفعل الأشياء "بشكل صحيح" وتربيتهم على أنه توجد طريقة واحدة فقط لفعل الأشياء بذلك الشكل "الصحيح" يقتل في هؤلاء الصغار روح البحث عن طرق أخرى لفعل الأشياء ومن ثم تموت فيهم روح المغامرة والتجريب والإبداع.
كما أن أحد معاول هدم روح الإبداع لدى الصغار يتمثل في إجبار الأطفال على أن يكونوا واقعيين في كل تصرفاتهم بعيدا عن أي خيال. فعندما نصف الأفكار الخيالية لأحد الأطفال على أنها "ساذجة" فإننا نكون قد حكمنا عليه بالسجن داخل الأفكار "الواقعية" الجاهزة وعدم محاولة الإبداع. عنصر آخر من عناصر الهدم هو مقارنة الأطفال مع بعضهم ومحاولة جعلهم نسخة مكررة لبعضهم البعض. فإقناع الطفل بأن يظل مثل الآخرين يعني عدم تمكينه من الإبداع وحرية أن يكون مختلفا عن الآخرين. قمع حب الاستطلاع لدى الأطفال بحجة التأدب يعتبر عنصرا آخر من عناصر "قتل" الموهبة والإبداع. فحب الاستطلاع يمثل نقطة البداية للمعرفة وأحد مؤشرات الإبداع. فبعض الأحيان نرفض الإجابة على بعض الأسئلة التي يطرحها أطفالنا بحجة أنها أسئلة "سخيفة" أو أننا "مشغولون" ولا وقت لدينا للإجابة على مثل تلك الأسئلة. فالأسئلة التي يطرحها الصغار يجب ألا نهملها وأن تجد لها أذنا صاغية.
على الرغم من عدم شموليتها ، فإنني استعرض هنا بعض الموجهات التي استخلصتها من تجاربي مع بعض أسر الموهوبين:
1- توفير جو إسري منفتح ورحب:
يجب على المجتمعات خلق نوع من المرونة و الانفتاح للأفكار الجديدة والمرح العفوي داخل الأسر وترغيب أفراد تلك الأسر في الإبداع. وعلى تلك الأسر الحد من استخدام أبنائها لأجهزة التلفاز والحاسب الآلي وتشجيعهم على تطوير قدراتهم التخيلية عن طريق قراءة الكتب والتعامل مع الفنون والموسيقى. يجب عدم تشجيع الركون إلى الأحكام الجاهزة وضرورة البحث عن اكتشافات وأفكار جديدة. لقد سبق لنا جميعا أن زرنا أسرا يسودها جو من الانفتاح والحرية. حيث يقوم الأبناء كبارا وصغارا بالتعبير عن أفكارهم بحرية حتى في حال اختلاف تلك الأفكار. في مثل هذه البيوت يسود جو من الإثارة والرغبة في المعرفة. فالآباء يشاركون أبنائهم في أفكارهم وهواياتهم (مثل الأم التي تحب الموسيقى والأب الذي يهوى الرسم الهندسي) ويستمعون لأطفالهم عند طرحهم لأفكارهم وأحلامهم ورغباتهم. فداخل مثل هذه البيوت توجد سلال نفايات ملأى بالمواد التي يستخدمها أفراد هذه الأسر في هواياتهم مثل الأسلاك والمعادن لهواة الإنشاءات، المواد الفنية ، المطبوعات والكاميرات والملابس وغيرها . الجدران مغطاة باللوحات والمشغولات الفنية. زوايا المنزل مزينة بالمصنوعات الكرتونية وغيرها مما يبدعه الأبناء والبنات.
2- اشتراك الأسرة في بعض النشاطات الإبداعية المفتوحة:
إن الأطفال الموهوبين الذي يعيشون داخل أسر يشترك كل أو جل أفرادها في مشروعات إبداعية يكونون أكثر ثقة في ممارسة مواهبهم والانطلاق بها إلى آفاق أرحب. فالأسر التي تميل إلى قضاء أوقاتها بالمناطق البرية تتكون لديها الرغبة في عمل مشروعات ودراسات حول النباتات والطيور. فأنا أعرف أسرة قام كل فرد من أبنائها بإضافة بعض أنواع الطيور أو الحيوانات التي رآها، برسمها وكتابة كل المعلومات التي توفرت له عنها. وعندما أتيحت لي الفرصة للاطلاع على ما جمعوه من معلومات ورسومات وصور وجدت بأنه قد أصبح لديهم سجلا ضخما عن حياتهم على السواحل وفوق قمم الجبال وعلى السهول وضفاف الأنهار ، كل ذلك مصحوبا بالصور التي التقطوها في تلك الأماكن بالإضافة إلى الرسومات والخرائط وحتى الأشعار التي جادت بها قريحتهم.
ولقد التقيت بأحد الآباء في إحد الورش الخاصة بنا وقد شجع ابنته على تنمية هوايتها في مجال البستنة. فقد علمها كل شيء عن النباتات وكيف تبذر بذورها في التربة، ما مقدار الماء اللازم لكل نوع من تلك النباتات وكم من أشعة الشمس يلزم لنموها – ثم منحها جزء من ساحة المنزل لإقامة حديقتها الخاصة. لقد كان هو وابنته يقومان معا بدراسة ما سيقومون بزراعته وزيارة المشاتل التي تبيع شتول مثل تلك النباتات، كما يقومان بالاطلاع على المجلات الزراعية وابتداع تصميمات جديدة لتوزيع تلك النباتات وطريقة تنظيمها. وقد قالت لي والدتها أن ابنتها تقوم أولا بزيارة حديقتها عند عودتها من المدرسة وقبل أن تدخل إلى غرفتها.
إن أطفالك يتعلمون الكثير من مشاهدتهم لما تقوم به من أعمال ، الكيفية التي تؤدي بها تلك الأعمال وطريقة استمتاعك بها، وحماسك في القيام بها. إنها الطريقة التي تعيش بها الأسرة ويتفاعل أفرادها مع بعضهم ويتعلمون من بعضهم الدروس والعبر. فعليك التفكير في هذا الأمر لأسرتك. ما هي المشروعات التي يمكن لأفراد أسرتك القيام بها معا؟ هل هي قراءة كتاب درامي؟ زيارة لأحد المتاحف أو الحدائق المائية؟ تقديم أعمال مسرحية (يكتبها الأطفال)؟ مشروع طبيعي بإحدى الغابات المحلية؟ رحلة لاصطياد الطيور بغرض التعرف على أنواع جديدة منها؟ اختراع جديد لمنع حيوان الراكوون من التسلق عبر أسطح المنازل؟ إن نشاطات أسرية من هذا القبيل تعتبر مفيدة للأطفال الموهوبين ، حيث أنها لا تقدم لهم فقط النصح والإرشاد، بل توجد مجتمعات تشجع الإبداع والاكتشاف والاختراع (أيا كان نوعها).
3- توفير مكان لفوضى النشاط الإبداعي:
إن العمل الإبداعي يولد الكثير من الفوضى والعبث بالمكان الذي يمارس فيه مما يسبب الكثير من الضيق للأسر عندما يتم ذلك داخل المنزل. فأحد الآباء ذكر لي بأنه هو وزوجته لا يريدون كبت الروح الإبداعية لدى إبنهم بتذكيره دوما بحالة العبث والفوضى التي يخلفها حيثما يمارس نشاطه الإبداعي: "منذ أن تعلم المشي وهو يعبث بالمكان أكثر مما يفعله أقرانه. فهو يخلط أشياء لا يمكن جمعها معا، فهو يجلب ملعقة خشبية كبيرة من المطبخ يسند بها لوح خشبي صنعه من مواد غريبة جمعها من خزانة الملابس ، ما هذا؟ ثم في مكان آخر تجده قد صنع شيئا آخر من تشكيلة من المواد...". وبعد صراع طويل ونقاشات حادة تم التوصل إلى حل. حيث منحه الوالدان غرفة خاصة لممارسة نشاطاته الغريبة وتركها كيفما اتفق لمواصلة عمله عليها في اليوم التالي. وهكذا تمكنت هذه الأسرة من حصر النشاطات الفوضوية الإبداعية لإبنهم بمكان خاص وفي نفس الوقت تمكينه من تركها على مرحلة الإبداع التي وصلت إليها لاستكمالها في اليوم التالي.
4- رعاية الموهبة كمصدر للتآلف:
إن الأطفال الذين يتعلمون مبكرا أن يثقوا في تصرفاتهم و أفكارهم الإبداعية يصبحون أكثر مرونة في التعاطي مع مشاق الحياة ومشكلاتها. فقد وصفت إحدى الأمهات ممن أعرفهن كيف أن ابنها كارل الذي كان يدرس بالمستوى الثاني قد أبدى تضجره من سخرية بعض زملائه من أحد الأطفال كان يعاني من تلعثم عند الكلام. وقد بحثت تلك الأم وابنها السبيل الأمثل لمعالجة هذا الأمر وخرجوا بعدة حلول: إبلاغ المدرسة بالأمر ، تأنيب أولئك الصبية وحثهم على عدم السخرية من ذلك الطفل ، مصادقة الطفل موضع السخرية ، وهكذا. وقد بدت لهم كل تلك الخيارات غير كافية حيث تساءلت الأم: "إذا طلب منك اختيار الحل ، فماذا أنت فاعل؟" فأطرق الولد هنيهة وقال "سوف أضع قانونا في المدرسة بألا يحتقر أي طالب حتى لو كان كذلك" ثم برقت عينيه وأضاف "إنني أعرف ما علي فعله".
عند نهاية اليوم الدراسي التالي أخبر الابن المدرسة بالأمر وطلب منها عدم التحدث مع الصبية المعنيين واقترح عليها بدلا عن ذلك أن تضع إدارة المدرسة نظاما يمنع تحقير الطلاب أو التندر عليهم. وقد كان هذا الموقف مدعاة لأن تفكر المدرسة في بحث عدة أمور تتعلق بمسائل العدالة والمساواة والسلوك القويم داخل المدرسة. وقد أشركت في ذلك طلاب المدرسة الذين أدلى كل منهم بدلوه واقترحوا جملة من النظم واللوائح أصبحت فيما بعدا ضابطا للسلوك الطلابي العام. وقد قاموا بكتابة تلك النظم على لوحات إعلانية شبيهة باللوحات المرورية (وكان ذلك أحد مقترحات كارل) وتم وضع تلك اللوحات في أماكن مختلفة من الفصل. وقد أصبحت تلك اللوحات دليلا إرشاديا منظورا لما يجب أن يكون عليه السلوك القويم داخل الفصل ("مثل الإرشادات المرورية" كما قال كارل). كل تلك الإبداعات جاءت من الطفل الموهوب الذي تعلم مبكرا كيفية التجاوب مع الأحداث.
التسليم بالأمور دون اعتراض أو نقاش، والبحث دوما عن السبل الأقل وضوحا والبعيدة عما هو معتاد.
ملحوظة أخيرة:
إن أطفالنا يعتمدون علينا في الدفاع عن كل ما يميزهم وما يتفردون به. إن دعم الروح الإبداعية لديهم يبدأ بالإشادة بالهوايات الفنية للطفل أو إحاطته بجو عائلي فيه الكثير من الانفتاح على الأصالة والخيال. ولكن بنظرة عميقة يتبين لنا أن العملية الإبداعية تحمل في طياتها ما هو أكبر من ذلك. فالممارسة اليومية للإبداع في مجال الرسم الذي يعتمد فيه الأطفال الموهوبون على مصادرهم الخاصة يعتبر عملا إبداعيا، وعندما يلقى هذا العمل الدعم من الوالدين فإن ذلك سوف يجلب للطفل إحساسا بالكرامة والقوة الشخصية تظل ملازمة له طوال حياته. وليفهم الآباء أن الظروف المجتمعية والمدرسية المقيدة للحريات كما السجون لا يمكن أن تجرد هؤلاء الآباء أو أطفالهم من تلك "القوة الشخصية" التي تمكنهم من الصمود والتي هي إحدى الهبات الخفية لروح الإبداع.